خاص صدى الولاية الإخباري |كتب عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب الدكتور علي فياض:
عندما تسعنا الذات العاملية جميعًا
تحية إلى الشاعر مصطفى سبيتي
حضرت، قبل أيام ومن غير دعوة، حفل تكريم الشاعر مصطفى سبيتي. لم تكن علاقتي بالرجل وثيقة، بل عابرة. التقيت به ثلاث مرات فقط على مدى أربعة عقود.
كان اللقاء الأول في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، عندما استمعت إليه يلقي قصيدة عن الثورة الإيرانية.
أما اللقاء الثاني، فكان قبل سنوات خلال حفل تكريم الشاعر الكبير شوقي بزيع، الذي أُقيم في قريته زبقين. ألقيت يومها، بناءً على طلب بزيع، مقاطع من قصيدة مصطفى سبيتي الرائعة: «يا ذاهبون إلى الجنوب، خذوا دمي حجرًا لتحضنه السفوح».
كما ألقت ابنة الشاعر، الشاعرة والصحافية لوركا سبيتي، قصيدة متمرّدة دخلت فيها في مساءلة حادة مع الله.
وكان اللقاء الثالث في بلدة قناريت في قضاء صيدا، خلال منتدى فكري شارك فيه أكاديميون ومثقفون وأدباء. كانت لمصطفى سبيتي تعليقات بدا فيها ناقدًا حادًا ومتطرفًا.
منذ ذلك الوقت لم نلتقِ، لكنني كنت أشعر دائمًا بأننا صديقان، وأن رابطًا خفيًا يجمعنا، وأن لقاءاتنا العابرة لا تكفي لتفسير هذا الشعور.
هل هو الشعر، عندما نعيشه نمط حياة وشغفًا يسكن اللغة والمفردات والأحاسيس والرؤى؟
أم هي الأرض العاملية التي نخرج منها كما نخرج من الرحم، ثم لا نقطع حبل السُّرّة معها أبدًا، ونحملها معنا كالهواء والغذاء، ونحياها ثقافة وانتماءً وهوية؟
في ثنايا ذلك، كان الاختلاف الأيديولوجي الحاد الذي يعيشه مصطفى سبيتي يتلاشى ويتضاءل، فلا أجد له مكانًا أمام إنسانيته الكثيفة.
في حفل تكريمه الأخير، كنت أجلس في موضع مقابل له، ما أتاح لي أن أتأمله مليًا. جعله المرض شاحبًا وناحلًا، لكن ملامحه ظلّت واثقة ومتمسكة بكبريائها المعهود.
من مقعدي المقابل، أمعنت في تأمل ملامحه وتفاعلها مع كلمات المتحدثين، وتابعت انفعالاته الخافية والغائرة.
أمام عينيه الوادعتين وجبينه الشامخ، بدا بلحيته الكثّة شبيهًا بالفلاسفة أو العرفاء.
لم يكن من الصعب فهم تفاعل ملامحه مع الكلمات والقصائد التي ألقاها المشاركون. كان يمعن النظر كأنه يرى القصائد والكلمات، ولا يكتفي بسماعها.
كان يرخي فمه قليلًا عندما ينصت، ويوشك أن يندهش، من دون قلق، لفكرة أو خاطرة تزيح الحجاب عن خصوصية طباعه المتمرّدة والجامحة.
لكنه، فوق ذلك، ظل رافعًا رأسه، كأنه لا يسمح لجبينه بأن ينحني قط.
وعندما حان أوان كلمته، أصرّ على الوقوف على ساقيه المنهكتين كي يعتلي المنبر بفصاحته ولهجته الجنوبية الشجية.
كان كما هو دائمًا، متدفقًا وبليغًا، ناقدًا صلبًا وجامحًا ومتمرّدًا.
مصطفى سبيتي، الذي يقف على ضفة أيديولوجية أخرى، هو أحد تجليات هذه الذات العاملية التي يجب أن تسعنا جميعًا، وأن تعبّر عنا جميعًا، بكل رحابتها وأصالتها وغنى تكوينها التاريخي والثقافي.
وفي لحظة فارقة، بدا مصطفى سبيتي وكأنه نحن، وكأنه ذاتنا العاملية التي تصرّ على الوقوف والصراع من أجل الحياة.
ذاتٌ لا تساوم على جبينها الشامخ، وتصرّ على أن تقف شاهدة بليغة على منبر الحياة، من أجل الأرض والإنسان والذاكرة والحرية.
مصطفى سبيتي…
كل الحب والتقدير، والدعاء بالعافية وطول العمر.
النائب الدكتور علي فياض
10 آب 2026